أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

108

نثر الدر في المحاضرات

ويكدي « 1 » أخرى ، وقد قرن الرزق بسببه ، والعيش بالتماس مصلحته وبذل الافتقار . ما كلّ هفوة تعدّ ذنبا ، ولا كل إنكار يستحق أن يسمى عتبا . إخوان السوء ينصرفون عند النكبة ، ويقبلون مع النعمة ، ومن شأنهم التوسل بالإخلاص والمحبة ، إلى أن يظفروا بالأنس والثقة ، ثم يوكّلون الأعين بالأفعال ، والأسماع بالأقوال ؛ فإن رأوا خيرا ونالوه لم يذكروه ولم يشكروه ، وعملوا على أنهم خدعوا صاحبهم عنه وقمروه « 2 » ؛ وإن رأوا شرا أو ظنّوه أذاعوه ونشروه ؛ فإذا أدمت مواصلتهم فهو الداء المماطل ، المخوف على المقاتل ؛ وإن استرحت إلى مصارمتهم « 3 » ادّعوا الخبرة بك لطول العشرة ؛ فكان كذب حديثهم مصدّقا ، وباطله محقّقا . إنما يقتل الكبار الأعداء الصغار ، الذين لا يخافون فيتّقون . ولا يؤبه لهم وهم يكيدون . ما ينفع ولد الملك من تأديب المؤدبين إياه ؟ وهو يغدو ويروح فيراه على خلاف ما يأمره به المؤدبون ، ولم يزل الباطل على نفوس الرجال أخفّ محملا ، وأحلى طعما ؛ فكيف الصبيان ؟ . المؤدب يأمر الغلام بألّا يشتم أحدا ، ويتجنب المحارم ، ويحسّن خلائقه ، ويعلمه من الفقه الأبواب التي لا غنى بمسلم عن معرفتها ، ومن الشعر الشاهد والمثل ، ومن الإعراب ما يصلح به لفظه ، ومن الغزل أعفّه . وهو يرى أباه في كل ساعة بخلاف ما يؤمر به ، وتاركا لما خصّ عليه ؛ حتى إنه ليستثقل اللفظة تجري في مجلسه بإعراب ويصدّ عن منشد لبيت شعر ، ولا يخاطب غلامه ولا يمازح جليسه إلا بالشتم واللعنة ، ولا يحتشم من ورود محرّم ، ولا يتقي كبيرة ؛ ثم يراه مع ذلك وقد بلغ غاية آماله من الدنيا ؛ فيوشك أن يحدّث نفسه بأنّ أباه لا يخلو من أن يكون علم ما يسام فاطّرحه ، ورأى أنه لا خير فيه ، أو لم يعلم شيئا من ذلك فلم يضره جهله إياه ، ولا صرف عنه حظّا من دنياه ، وكلا المعنيين مزهّد له في قبول الأدب ، ومزيّن له ترك عنائه ، وربح تعبه فيه .

--> ( 1 ) أكدى : افتقر بعد غنى . ( 2 ) قمروه : خدعوه . ( 3 ) المصارمة : المقاطعة .